ابن كثير
267
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا [ مريم : 58 ] . وقوله في هذه الآية الكريمة وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ أي وهدينا من ذريته داوُدَ وَسُلَيْمانَ الآية ، وعود الضمير إلى نوح ، لأنه أقرب المذكورين ظاهر لا إشكال فيه ، وهو اختيار ابن جرير « 1 » . وعوده إلى إبراهيم ، لأنه الذي سيق الكلام من أجله حسن ، لكن يشكل عليه لوط ، فإنه ليس من ذرية إبراهيم ، بل هو ابن أخيه ماران بن آزر ، اللهم إلا أن يقال إنه دخل في الذرية تغليبا ، وكما قال في قوله أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي ؟ قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فإسماعيل عمه دخل في آبائه تغليبا ، وكما قال في قوله فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ * فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود ، وذم على المخالفة لأنه كان في تشبه بهم ، فعومل معاملتهم ودخل معهم تغليبا ، وإلا فهو كان من الجن وطبيعته من النار ، والملائكة من النور . وفي ذكر عيسى عليه السلام في ذرية إبراهيم أو نوح ، على القول الآخر ، دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل ، لأن عيسى عليه السلام إنما ينسب إلى إبراهيم عليه السلام ، بأمه مريم عليها السلام ، فإنه لا أب له . قال ابن أبي حاتم : حدثنا سهل بن يحيى العسكري ، حدثنا عبد الرحمن بن صالح ، حدثنا علي بن عابس ، عن عبد اللّه بن عطاء المكي ، عن أبي حرب بن أبي الأسود ، قال : أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر ، فقال : بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، تجده في كتاب اللّه - وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده ؟ قال أليس تقرأ سورة الأنعام وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ حتى بلغ وَيَحْيى وَعِيسى قال بلى . قال أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب ؟ قال صدقت . فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته ، أو وقف على ذريته ، أو وهبهم ، دخل أولاد البنات فيهم ، فأما إذا أعطى الرجل بنيه ، دخل أولاد البنات فيهم ، فأما إذا أعطى الرجل بنيه ، أو وقف عليهم ، فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه وبنو بنيه ، واحتجوا بقول الشاعر العربي : [ الطويل ] بنونا بنو أبنائنا وبناتنا * بنوهن أبناء الرجال الأجانب « 2 »
--> ( 1 ) تفسير الطبري 5 / 256 . ( 2 ) ويروى « الأباعد » في موضع « الأجانب » . والبيت للفرزدق في خزانة الأدب 1 / 444 ؛ وبلا نسبة في الإنصاف 1 / 66 ؛ وأوضح المسالك 1 / 106 ؛ والحيوان 1 / 346 ؛ وشرح ابن عقيل ص 119 ؛ ومغني اللبيب 2 / 452 ؛ وهمع الهوامع 1 / 102 .